الاثنين، يناير 16، 2023

الإسلام الجديد ونقابة المهندسين هما الحل (2-2)

اتكلمت في الحلقة اللي فاتت عن حل عملي ملخصه أن قيام نقابة المهندسين بواجبها في خدمة أعضاءها وخدمة الصناعة في مصر سيساعد في تحسين الظروف المعيشية والاقتصادية لينا كمصريين. نقابة المهندسين استهلكت في معارك جانبية فرعية جعلتها أبعد ما يكون عن دعم الصناعة التي عمادها المهندسون فضلا عن كون عدد من أصحاب المصانع ورجال الأعمال هم في الأصل مهندسون.

.

دعم الصناعة يعني المزيد من ربط مخرجات التعليم بسوق العمل ويعني معالجة مشاكل الروتين والبيروقراطية لضمان تدفق الاستثمارات واستمرار الشراكات وهذا يعني بالضرورة المزيد من العملة الصعبة للبلد والمزيد من الرواج الاقتصادي وفرص العمل - وهذا معناه زيادة مصادر دخل نقابة المهندسين من الدمغة الهندسية وغيرها وبالتالي زيادة قدرة النقابة على تقديم المزيد من الخدمات للأعضاء خصوصا في مراحلهم الحرجة عند المرض أو بلوغ سن المعاش مثلا.

.

ما سبق كان الأمر العملي - أما الأمر النظري ففي رأيي يتم عبر الدعوة والترويج لإسلام جديد يختلف عن الإسلام الذي تروج له جماعات الإسلام السياسي حاليا (مثلا شعار جماعة الإخوان المسلمين الموت في سبيل الله أسمى أمانينا يخالف صريح آي القرآن وصحيح أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأفعال السلف الصالح من أن الحياة حق حتى لغير المسلم المحارب إن طلب السلام)

.

الإسلام الجديد الذي أدعو إليه لا يعالج فقط خطايا وكوارث جماعات الإسلام السياسي-وما أكثرها-، وإنما يعالج أسبابا جذرية لتخلف مجتمعاتنا - مثل اعتقاد أن المستوى التعليمي هو مبرر لأن يكون المهندس أعلى من المحامي أو خريج الآداب وأنهم جميعا أعلى من خريج المؤهل المتوسط، هذه اعتقادات تنسفها أسس المساواة في الإسلام كما أفهمه (أو ما أسميه اختصارا بالإسلام الجديد) حيث جعل الإسلام الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

.

غياب المساواة يحرم المجتمع من عشرات الملايين من البشر ليسوا خريجي جامعات وليسوا خريجي كليات قمة - ووصل الأمر ببعض المدارس الخاصة إلى طلب مؤهل الأب والأم ضمن متطلبات تحديد قبول الطفل من عدمه

.

ماذا كانت نتيجة ذلك؟

زيادة الطلب على التعليم الجامعي بأنواعه المفتوح وغيره ليس من أجل التعليم أو اكتساب المهارات وإنما من أجل ذر الرماد في عيون الذين لا يعترفون إلا بحملة المؤهلات العليا - ويمكن ملاحظة نقابات أو تجمعات تتمسح بالهندسة (هندسة الجودة، هندسة المساحة، إلخ) لأن المجتمع أعطى الهندسة تميزا ما لا يميزها في نظري عن غيرها من المهن والحرف الأخرى.

.

وبناء عليه بدلا من أن يصبح التعليم الجامعي لتخريج مهارات تناسب سوق العمل قدر الإمكان، أصبح التعليم الجامعي عليه طلب متزايد لأسباب لا علاقة لها بطلب العمل أو بتنمية مهارات لتناسب سوق العمل، وبالتالي أصبحت هنالك موارد تهدر وموارد تخصص وكلها في الهوا بلا فائدة حقيقية تعود على المجتمع من وراء ذلك بل بالعكس أصبح مستوى التعليم الجامعي في انحدار (زحام، إلخ) نتيجة زيادة الإقبال عليه بما يفوق قدرات سوق العمل على الاستيعاب أصلا

.

الإسلام الجديد هو إسلام صديق للسياحة وصديق للسائح - لا يراه كعدو حلال الدم والمال لمجرد انتماءه لدولة قام بعض قادتها بشن غزو هنا أو هناك. ولا يرى غير المسلم حلال الدم والمال لمجرد أن قادة دولة ما تنتمي لنفس الدين قد قرروا شن غزو هنا أو هناك.

.

بل إن الإسلام الجديد هو إسلام صديق للمسلم نفسه. لقد كان -ولا يزال- الخطاب الديني لجماعات الإسلام السياسي قائما على ما يسمونه "أسلمة" المجتمع - بمعنى تحويل المسلمين من أفراد المجتمع إلى ملائكة بأجنحة تمشي على الأرض كخطوة أولى وأساسية وجوهرية في سبيل الوصول لما يسمونه في خيالاتهم "الحكم الإسلامي"

.

المفاجأة هي أن القرآن والسنة كما أفهمهما لا يقولان بذلك بل يقران بوجود ذنوب ومعاصي في المجتمع المسلم.

محاربة الذنوب والمعاصي هو مثل محاربة طواحين الهواء - أمر بلا فائدة ويهدر الوقت والجهد بلا جدوى.

مش معنى كلامي تشجيع الناس على ارتكاب الذنوب والمعاصي، وإنما معناه تفهم حصول ذلك منهم.

.

إن طبيعة الإنسان الخطأ والضعف "وخلق الإنسان ضعيفا" ولذلك جعل الله الصلوات الخمس كفارات لما بينها ما لم تغش الكبائر وجعل الله مواسم للخير والغفران ليقبل الناس على الطاعة ويقلعوا عن المعصية - وهذه الكفارات دليل على أن العبد يصدر منه ما يوجب مؤاخذته أمام الله

.

تأمل معي لماذا اشترط الله أربعة شهود على واقعة الزنا لإثبات حصوله بين رجل وامرأة؟

لماذا لم يشترط رجلا واحدا أو شخصا واحدا أو حتى اثنين؟

لماذا أربعة مرة واحدة يشترط أن يروا جميعا عملية الإيلاج؟

بل لو اختلف وصف أحدهم للواقعة أو للظروف المحيطة بها رجموا جميعا بحد القذف عقابا لهم

الإجابة حسب فهمي: لأن الله علم ضعف البشر.

.

"وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (70) وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)"

.

سيظل في المجتمع من يشرب الخمر ومن يزني ومن ومن ومن - ولذا الإسلام كما أفهمه يتدخل بحسم في المعاصي التي فيها اعتداء على حقوق الآخرين مثل السرقة أو أكل الميراث أو التحرش أو الزنا بالإكراه

.

في عهد سيدنا عمر بن الخطاب نط على السور ليدخل لمنزل يشرب فيه الخمر فقال له صاحب البيت لئن كنت ارتكبت معصية فلقد ارتكبت يا أمير المؤمنين ثلاثة معاصي أولها التجسس وثانيها الدخول بغير إذن للبيت وثالثها مش فاكر - اللي عايز أقوله سيدنا عمر لم يأمر بشن حملة تموينية لتتبع من أدخل الخمر للرجل أو من باعها له

.

لم يكن في صدر الإسلام الأول هيئات أمر بمعروف ونهي عن منكر مثل الموجودة أو اللي كانت موجودة في السعودية وإيران مثلا - كان أقصى ما في الأمر هو وجود محتسب في الأسواق للتأكد من دقة الموازين وعدم التطفيف في الكيل للمشترين لا أكثر ولا أقل.

.

لماذا؟

لأن الناس بطبيعتهم فيهم ضعف يميل بهم للانحراف يمينا ويسارا ويصبح من العبث تخصيص موارد الدولة المحدودة أصلا لتتبع الناس وملاحقة المخطئين - ثم مع مرور الوقت نحتاج إلى هيئة أخرى لمراقبة الهيئة التي تتابع الناس وتلاحق المخطئين وهكذا نظل في دوامة مثل اللي نعيشها الآن - فلا المخدرات انقطعت ولا المدمنون أقلعوا.


منذ سنوات قليلة قرأت على موقع إحدى الصحف الورقية -الوطن إن لم تخني الذاكرة- خبرا عن عصابة مخدرات تودع مبالغ مالية بحسابات بعض ضباط شرطة والذي فجر الموضوع هو أن الخلية قتلت ضابط شرطة أثناء مداهمة فأصبحت القضية تحت النظر من جانب السلطات وانكشف المستور - وهنا مثال آخر:

https://www.albawabhnews.com/4624143

.

ولذلك كان حكم صلاة الجمعة هو الوجوب على الرجال ومن شروطها أن يأمر الإمام بتقوى الله - لأنها مناسبة أسبوعية لتذكير الجميع بالله الواحد الأحد كعظة تتكرر كل 7 أيام مرة.

.

إن عقودا من الخطاب الديني الذي يصب العذاب على شارب الخمر ومدمن السجائر -مثلا- لم تصل بنا إلى نتيجة واحدة، فلا الشارب والمدمن توقفا ولا تعامل الغير معهم أصبح أفضل - ما أقصده هو أن هنالك فرقا شاسعا بين التحذير من خطأ وبين تحقير صاحبه أو النظر إليه نظرة دونية.

.

أحد شاربي الخمر جيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليجلده تطبيقا لحد شرب الخمر فسبه أحد الحضور لكثرة ما يأتى به فنهر النبي من شتمه وقال إنه رجل يحب الله ورسوله إن لم تخني الذاكرة.

.

الخلاصة في موقف ما أسميه الإسلام الجديد من غير المسلم قبل المسلم هو الآية الكريمة "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". إن الإسلام كما أفهمه يقسم أتباعه إلى مسلمين ومؤمنين. فأما المسلمون فهم الغالبية العظمى وهؤلاء تصدر عنهم الذنوب والمعاصي وأحيانا الكبائر باستمرار، وأما المؤمنون فهم نخبة المسلمين المفترض بهم قيادة المجتمع وتوجيه الرأي العام - وهؤلاء أقرب إلى الله من المسلمين طالما حافظوا على علاقتهم بالله عز وجل.

.

هؤلاء المؤمنون لهم خصائص منها وعد الله لهم بالنصر "وكان حقا علينا نصر المؤمنين" - لكن خطورة أن تكون من المؤمنين تتمثل في سهولة تحول المؤمن إلى منافق - أي مقدم لهواه ودنياه ومصالحه الشخصية على الدين.

.

والله أعلم.


المصدر:

https://www.facebook.com/EngineersEgypt/posts/pfbid036oH3CKkfJz9Q4RDUPcNgNeNAis4pheUAVXhJZ3qmibdEpNPWzB6MYWUFf8RjPcLZl


الجزء الأول:

https://engineersegypt.blogspot.com/2023/01/islam-solution-ikhwan-slogan-1st.html

أو

https://www.facebook.com/EngineersEgypt/posts/pfbid02vnHAg8ZePLSwpUDy8vFjdkPpgA6HPckUP6au3bESEQVURFhaq7kAW1Z1pwGoN6wLl

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق